في خافقي أهمس مازلت أشتم تلك الرائحة هناك على الرغم من بعد المسافة بيني وبينهم، على الرغم من تخلصي من الملابس التي كنت أرتديها، على الرغم من مواد التنظيف التي أغرقت نفسي بها … رائحة قوية جداً لا أستطيع التخلص منها، رائحة حياتهم، رائحة معاناتهم، رائحة العيش دون حياة، في كل رمشة عيني ترمشها تنتابني صورة من الصور التي رأيتها ..
هنا كانت البداية الأربعاء الماضي 2-5 قمنا بتجهيزات رحلتنا وتوزيع المهام بيننا وكيفية تجميع التبرعات والأدوية ولعب الأطفال و السكاكر لعلنا ندخل بها سروراً لقلوب صغيرة لا تعلم عن سبب ظُلمها … وفي يوم الخميس 3-5 انطلقنا من مطار الكويت الدولي, نحن مجموعة من الشباب أتينا من مختلف الجامعات والأفكار والأهتمامات وحدتنا تلك القضية “ليان” .. ليان تلك الطفلة التي رفض الأطباء اجراء العملية لها إلا بعد التأكد من حالتها وهل حالتها أولى من غيرها من الحالات !! فما انتظرت نبضات قلبها وفارق قلبها هذه الحياة بأسرها .. وحدتنا قضية الأنسان .
أروي لكم قصة رحلتنا .. لكنها ليست قصة واحدة هي رحلة مليئة بالقصص .. في كل غرفة ندخلها من غرف المستشفى نسمع قصة جديدة .. قصة يختلف راويها وتختلف أحداثها ويختلف ما فُقد بها .. كُنا ندخل ويملأ أعيُننا بريقاً من الدموع .. و نبضات قلوبنا تتسارع من هول المنظر .. كُنا ندخل عليهم و نحنُ مُتئلمين لكنهم أقوياءً صامدين … كُنا ندخل عليهم وقلوبنا تبكي عليهم لكنهم مؤمنين صابرين .. كٌنا ندخل عليهم بنفوس مُنكسرة لكنا رأينا نُفوساً مطمئنة لغير الله رافضة أن تخضع .. كٌنا ندخل عليهم ونتحسر على شبابهم الذي ضاع ببتر أرجلهم لكنهم مُتفائلين مُتمسكين بالنصر وبحُريتهم .
سأختصر وسأختصر ولكن أي قصة من قصص الأُسر التي استطاعت انقاذ أبناءها من سفك دماءهم سيمكنني اختصارها !! هل ذلك الزوج الشااب مع زوجته و أبنيه اللذان هربوا عن طريق النفق !! أم تلك العجوز والرجل المُسن مع أحفادهم الخمس الذين عبروا النهر سباحة !! أم تلك المرأة التي حملوها وهي غائبة عن وعيها بعدما بُترت رجليها الأثنتين وفقدت زوجها وأبناءها جميعهم وبقيا لها أثر جرح يدها التي كانت تحمل بها رضيعتها !!
صورة ليد المرأة المجروحة التي كانت تحمل بها رضيعتها وتوفيت بين يديها أثر القصف بعدما فقدت زوجها وأبناءها و بترت رجليه
ا
قبل رحلتنا كنا نُحضر المساعدات و نجمع الصدقات .. لم نعي حينها بأن المحتاج ومن تصح له الصدقة يكون عادةً ذليلاً مكسوراً .. أما هم يملأهم شموخاً وعزةً .. فالذليل هو من يمد يده لغير الله .. و المكسور هو من ينتظر عطاء ً من عبدٍ ما .. أما هم فيملأهم شموخ الحُرية وعزة أنفس تشهد بأن لا إله إلا الله ورفضت الخضوع والتذلل لعبدٍ ما فخرجوا وطالبوا بحقوقهم .. بكرامتهم .. بحريتهم .. فالأنسان لا يمكنه التخلي عن فطرته .. لا يمكنه التخلي عن حريته .. فالأنسان كرمة الله تعالى منذ ولادته بأنه حر و ذالك كما قال عمر بن الخطاب(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) .. فنحنُ أُمة أرادَ الله لها العزة.
كُنا نستعد لأناساً محتاجين لكننا خرجنا و أيقنا بأننا نحن المحتاجين لبعضٍ من عزتهم .. نحن المحتاجين لقليلاً من شموخهم وإرادتهم و عزيمتهم و صبرهم و قوة إيمانهم .. أغرقتنا دنيانا بالماديات و المظاهر , امتلكنا المال و الجاه و في المقابل مازلنا نشعر بالحاجة … مازلنا نشعر بعدم الأستقرار … و مازلنا نشعر بضيق النفس … مازلنا نشعر بإفتقادنا لشيء … مازلنا نسعى و نجتهد للبحث عن المجهول … للبحث عن مكمل ما يملي هذه الفجوة .. افتقدنا “الحياة” … افتقدنا “العطاء” … لم نعي بأن السعادة لا تكون بالأخذ وحسب .. بل السعادة الحقيقية تكون بإضافة شيءٍ ما لحياة شخصٍ كان … فهذه اللذه في العطاء لا يُفسرها إلا من عاشها.